مدونة إضاءات

إضاءات مدونة ثقافية تعنى بالإبداع والابتكار والتنمية البشرية

اخر الأخبار

Post Top Ad

الجمعة، 4 سبتمبر 2026

ثلاثة توائم فُصلوا عند الولادة في تجربة سرية.. ماذا كشفت قصتهم عن الوراثة والتربية؟

 


تخيل أن تكتشف في التاسعة عشرة من عمرك أن لك أخًا توأمًا مطابقًا لك تمامًا، ثم تكتشف بعد ذلك أن لك أخًا ثالثًا أيضًا!

 

هذه ليست رواية من الخيال، بل قصة حقيقية بدأت في نيويورك عام 1961، عندما وُلد ثلاثة توائم متطابقين: روبرت شافران، وإيدي غالاند، وديفيد كيلمان. لكن المفاجأة الأكبر لم تكن ولادتهم النادرة، بل أن ثلاثة أطفال متطابقين وراثيًا فُصلوا بعد الولادة، ووضع كل واحد منهم في أسرة مختلفة، من دون أن يعرف أحد منهم بوجود شقيقيه.

 

وكان وراء هذه القصة مشروع بحثي مثير للجدل حاول الإجابة عن أحد أقدم الأسئلة في علم النفس: هل تحدد جيناتنا شخصياتنا وسلوكنا، أم أن البيئة والتربية هما العامل الأهم؟

 

لماذا فُصل التوائم؟

 

في ذلك الوقت، كانت عالمة النفس والطبيبة النفسية فيولا برنارد تعمل مستشارة لدى وكالة التبني الأمريكية Louise Wise Services. وكانت ترى أن فصل التوائم عند التبني قد يساعد كل طفل على تطوير شخصيته بصورة أكثر استقلالية، بعيدًا عن المنافسة على اهتمام الوالدين. (Cambridge University Press)

 

وبعد أن علم الطبيب النفسي بيتر نيوباور بهذه السياسة، رأى فيها فرصة بحثية نادرة.

 

فإذا كان ثلاثة أطفال متطابقين وراثيًا سيعيشون في ثلاث بيئات أسرية مختلفة، فمن الممكن متابعة نموهم ومقارنة شخصياتهم وقدراتهم وسلوكهم، لمعرفة مقدار ما يأتي من الوراثة ومقدار ما تصنعه التربية والبيئة.

 

وهكذا بدأت دراسة عُرفت لاحقًا باسم دراسة نيوباور للتوائم.

 

ولم تقتصر الدراسة على هؤلاء التوائم الثلاثة، إذ تشير المصادر العلمية إلى أن البرنامج شمل عددًا من مجموعات التوائم المتطابقة، إضافة إلى مجموعة التوائم الثلاثة. (Cambridge University Press)

 

ثلاثة أطفال… وثلاث عائلات مختلفة

 

في 12 يوليو/تموز 1961، وُلد روبرت وإيدي وديفيد في نيويورك.

 

تم تبني كل طفل من قبل عائلة مختلفة، وكانت العائلات تختلف في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية. وكان الهدف من ذلك توفير بيئات مختلفة يمكن للباحثين من خلالها متابعة نمو الأطفال ومقارنة تأثير البيئة في شخصياتهم.

 

لكن هناك تفصيلًا بالغ الأهمية: الأسر التي تبنت الأطفال لم تكن تعرف أن أبناءها جزء من مجموعة توائم، كما أن الأطفال أنفسهم لم يعرفوا بوجود شقيقيهم. وقد أخبرت الأسر بأن الطفل يخضع لمتابعة ضمن دراسة عن نمو الأطفال، بينما لم تُكشف لهم الصورة الحقيقية للدراسة. (STAT)

 

كان الباحثون يزورون المنازل، ويراقبون الأطفال أثناء اللعب، ويجرون اختبارات للذكاء والسلوك، ويسجلون مقابلات ويصورون بعض مراحل نموهم. واستمرت المتابعة لسنوات. (Los Angeles Times)

 

لكن الدراسة لم تُنشر بالشكل العلمي المتوقع، وظلت تفاصيلها غامضة لعقود.

 

اللقاء الذي كشف السر

 

في عام 1980 تقريبًا، حدث شيء لم يكن في حساب الباحثين.

 

كان روبرت شافران قد التحق بإحدى الكليات في نيويورك، وعندما وصل إليها فوجئ بالطلاب يتعاملون معه بطريقة غريبة؛ فقد كانوا يعتقدون أنه طالب سبق أن درس في الكلية.

 

لم يكن روبرت يعرف السبب.

 

ثم اكتشف الحقيقة الصادمة: هناك شاب آخر يشبهه بصورة مذهلة اسمه إيدي غالاند.

 

كان إيدي قد التحق بالكلية نفسها في العام السابق.

 

سرعان ما أدرك الاثنان أنهما توأمان متطابقان، وانتشرت قصتهما في وسائل الإعلام. لكن المفاجأة لم تنتهِ هنا.

 

بعد فترة، ظهر ديفيد كيلمان، ليكتشف الثلاثة أنهم ليسوا توأمين فقط، بل ثلاثة توائم متطابقون.

 

كانت قصة اللقاء أشبه بالخيال، وتحولت إلى ظاهرة إعلامية واسعة، حتى أصبحت لاحقًا موضوع الفيلم الوثائقي الشهير Three Identical Strangers الذي صدر عام 2018. (PubMed)

 

التشابه لم يكن في الوجه فقط

 

عندما اجتمع الإخوة، بدأوا يلاحظون أوجه تشابه كثيرة بينهم، في الشخصية والميول وبعض السلوكيات، رغم أنهم نشأوا في أسر مختلفة.

 

لكن القصة كشفت أيضًا اختلافات مهمة في حياتهم وشخصياتهم، وهو ما جعلها مثيرة للاهتمام بالنسبة إلى سؤال الطبيعة مقابل التربية.

 

فالتوائم المتطابقة يشتركون تقريبًا في المادة الوراثية نفسها، لكنهم عاشوا في بيئات مختلفة. ولذلك فإن مقارنة حياتهم قد تساعد العلماء على فهم كيفية تفاعل الجينات مع البيئة.

 

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: قصة التوائم الثلاثة وحدها لا تستطيع أن تقدم إجابة نهائية عن تأثير الوراثة والتربية. فالعوامل النفسية والاجتماعية والبيئية معقدة للغاية، ولا يمكن اختزال السلوك الإنساني في عامل واحد.

 

عندما يتحول البحث العلمي إلى قضية أخلاقية

 

ربما كان السؤال العلمي مثيرًا، لكن الطريقة التي أُجريت بها الدراسة أصبحت موضع انتقادات شديدة.

 

فالأطفال لم يعرفوا أنهم كانوا جزءًا من دراسة تهدف إلى مقارنة تأثير البيئات المختلفة، والأسر التي تبنتهم لم تكن تعرف أن لأطفالها إخوة توائم.

 

وبمعايير أخلاقيات البحث العلمي الحالية، يثير هذا الأمر مشكلة جوهرية تتعلق بـ الموافقة المستنيرة وحق الإنسان في معرفة أنه موضوع للبحث، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالأطفال. وقد تناولت دراسات أخلاقية لاحقة قصة الفيلم والتجربة باعتبارها مثالًا مهمًا على حدود البحث في البشر. (PubMed)

 

والأغرب أن السجلات الأصلية للدراسة أودعت لاحقًا في أرشيف جامعة ييل، وظلت خاضعة لقيود شديدة على الوصول إليها، مع تحديد عام 2065 موعدًا لرفع الختم عنها وفق الأرشيف المتاح حول الدراسة. (Neubauer Twin Study)

 

وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من القصة العلمية الكاملة لا يزال غير متاح للجمهور.

 

هل نجحت التجربة في إثبات شيء؟

 

هنا تكمن المفارقة.

 

كان الهدف معرفة تأثير الوراثة والبيئة، لكن الدراسة نفسها لم تقدم الإجابة العلمية الحاسمة التي كان يمكن توقعها. كما أن تصميمها والسرية المحيطة بها يثيران أسئلة جدية حول كيفية تفسير نتائجها.

 

والأهم أن العلم الحديث لم يعد ينظر إلى الوراثة والتربية باعتبارهما قوتين منفصلتين تتنافسان على تشكيل الإنسان. فالسلوك والذكاء والشخصية تنشأ من تفاعل معقد بين الجينات والبيئة والتجارب الحياتية.

 

لذلك فإن قصة هؤلاء الإخوة الثلاثة لا تقدم لنا ببساطة جوابًا عن سؤال: «أيهما أقوى، الوراثة أم التربية؟»، بل تقدم درسًا أكثر عمقًا: الإنسان نتاج تفاعل مستمر بين ما يرثه وما يعيشه.

 

قصة علمية… أم تحذير من العلم بلا ضوابط؟

 

ربما تكون أكثر الجوانب إثارة في هذه القصة ليست حقيقة أن ثلاثة أشخاص متطابقين عاشوا منفصلين ثم التقوا، وإنما السؤال الأخلاقي الذي بقي معلقًا:

 

هل يجوز للعلماء أن يخفوا الحقيقة عن الإنسان من أجل الحصول على إجابة علمية؟

 

في ستينيات القرن الماضي كانت قواعد أخلاقيات البحث السلوكي أقل تطورًا بكثير مما هي عليه اليوم. لكن هذا لا يجعل كل ما حدث مقبولًا بأثر رجعي؛ بل إن هذه القضية أصبحت مثالًا على أهمية حماية المشاركين في الأبحاث، وخصوصًا الأطفال.

 

وهكذا تحولت قصة روبرت وإيدي وديفيد من حكاية مذهلة عن ثلاثة توائم إلى واحدة من أكثر القصص إثارة للتفكير في تاريخ أبحاث الوراثة والسلوك والتبني.

 

فقد أراد الباحثون أن يعرفوا كيف تصنع البيئة الإنسان…

 

لكنهم تركوا خلفهم سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا:

 

مَن يملك الحق في أن يقرر ما الذي يجب أن يعرفه الإنسان عن نفسه؟

 

مراجع مختارة

 

1.     Moore, B., Garrett, J. R., McNolty, L. A., & Murano, M. C. (2019). The Strange Tale of Three Identical Strangers: Cinematic Lessons in Bioethics. Hastings Center Report, 49(1), 21–23. (PubMed)

2.     Hoffman, E., & Oppenheim, D. (2018). A Possible Twin: A 1960s Twin Study Revisited. Twin Research and Human Genetics, 21(2), 155–162. (Cambridge University Press)

3.     The Neubauer Twin Study — A Public Archive. معلومات أرشيفية حول الدراسة وسجلاتها. (Neubauer Twin Study)

4.     Los Angeles Times. (1997). Secret Times 3 — تقرير تاريخي مفصل حول التوائم الثلاثة ودراسة نيوباور. (Los Angeles Times)

5.     STAT. (2019). Address the ethical violations that led to 'Three Identical Strangers'. (STAT)

 

ملاحظة : القصة عُرضت في الفيلم الوثائقي Three Identical Strangers بصورة درامية، لذلك اعتمدنا في مدونة اضاءات على المصادر العلمية والتاريخية أيضًا، وعدم تقديم كل التفاصيل السينمائية باعتبارها حقائق مثبتة.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه

Post Top Ad

الصفحات