الاثنين، 8 مايو، 2017

تاريخ تطور الخبر الصحفي

الدكتور عبدالله بدران *

يعد الخبر الصحفي حجر الأساس في الصحافة، ومنه تتفرع جميع الفنون الصحفية الأخرى، كالتحليل الإخباري، والتقرير الإخباري، والمقال، كما يعد الأساس الذي قام عليه كل من الخبر الإذاعي والخبر التلفزيوني.

والخبر قديم قدم البشرية، فمنذ أن وجد البشر على ظهر البسيطة وهم يتناقلون الأخبار فيما بينهم، ويتداولون في لقاءاتهم واجتماعاتهم أخبار كل منهم، عن صيده، ورزقه، وعمله، وأسرته، وشؤونه، وقد تطور هذا الشكل البسيط من الأخبار شيئاً فشيئاً، فصار الإنسان ينقل أخبار الآخرين إلى مجتمعه، كما ينقل أخبار مجتمعه إلى من يلتقيهم خارج إطار هذا المجتمع، وبذلك انتقلت الأخبار من المحيط المحلي إلى المحيط الإقليمي وهكذا بدأت الأخبار تنتشر شيئاً فشيئاً، وتتسع دائرة الناقلين  لها، والمستمعين إليها.
      وكان الناس يتناقلون الأخبار في البداية شفاهاً، أو عن طريق الأصوات، أو النسخ المخطوطة، ويطلق على هاتين المرحلتين من تاريخ الخبر: مرحلة الخبر المسموع، ومرحلة الخبر المطبوع ، فيما يضيف إليهم بعض الباحثين مرحلة الخبر المخطوط.

1 ـ  مرحلة الخبر المسموع:
تعود بدايات الخبر المسموع إلى العصور القديمة حينما استخدم الإنسان الأبواق أو الصيحات والصرخات للإعلان عن حالات معينة تعارف عليها أبناء المجتمع، كالحروب، والأعياد، والمناسبات الاجتماعية، كما عرفت العصور القديمة، وجانب من العصور الوسطى المنادين الذين كانوا يجوبون الأسواق، وأماكن التجمعات البشرية الأخرى ليبلغوا الرعية أو المواطنين أوامر الحكومة وبياناتها.
وكان لظروف التطور الاجتماعي في العصور القديمة والوسطى أثر في اقتصار تبادل الأخبار على الوسائل السمعية أو الصوتية فقط، إذ لم تكن القراءة والكتابة قد عرفت بعد، وبعد معرفة القراءة والكتابة ظل من يعرفونهما أقلية نادرة بين كل الشعب من الشعوب المعروفة في ذلك الوقت.
كما اعتمدت الديانة المسيحية على الأصوات الصادرة عن النواقيس المعلقة في الكنائس والأديرة للإبلاغ عن شعائر العبادات والطقوس لديها.
ونجد في شعيرة الآذان التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ضرباً من أنواع نقل الخبر بواسطة السماع، إذ كان يتم بواسطة هذه الشعيرة الإبلاغ عن مواعيد عبادات وعن أمور أخرى شهدها التاريخ الإسلامي.

2 ـ  مرحلة الخبر المخطوط:
وبعد ظهور الكتابة وانتشار القراءة لدى الحضارات السابقة ظهرت مرحلة الخبر المخطوط المدون في الصحائف والجلود وألواح الحجارة وأوراق البردي، ففي العراق وجد علماء الآثار نشرات ترجع إلى سنة 1800 ق. م ترشد الزراع إلى كيفية بذر محاصيلهم، وعلاجهم من الآفات، وتشبه هذه النشرات إلى حد كبير النشرات التي توجهها وزارة الزراعة إلى المزارعين في الدول المتقدمة.
وأصدر الصينيون صحيفة في بكين أسمها جريدة (باكين) في عام 911 قبل الميلاد لتنشر الأوامر الرسمية وأخبار دوائر الحكومة ، كما عرفت روما في مرحلة متقدمة من عصر الإمبراطورية خطابات الأخبار News letter وهناك من الآثار التاريخية ما يؤكد أن يوليوس قيصر قد أصدر عقب توليه السلطة في عام 59 ق. م صحيفة مخطوطة أسماها Acta Dinrna، أي الأحداث اليومية. وكانت تهتم بنشر الأخبار عن مداولات مجلس الشيوخ، وأخبر الحملات الحربية، وبعض الأخبار الاجتماعية الأخرى.
واستمرت هذه النشرة في الصدور إلى زمن الإمبراطور يوليان في أواسط القرن الرابع الميلادي، فكانت مثالاً للجرائد التي صدرت بعد ذلك في أوروبة.
وفي أوروبة العصور الوسطى عرفت الدوريات البابوية حيث كان البابا يجمع كل أحداث العام ويسجلها على سبورة بيضاء ويعرضها في داره، حيث يحضر المواطنون للإحاطة بما فيها. وعندما انتشر النفوذ البابوي أصبح القول الشفهي والسبورة غير كافيين، فنشأت النشرة العامة، وهي لون من الأوراق التي يمكن أن نعتبرها أصل الجريدة الرسمية الحالية.
واستمر استخدام خطابات الأخبار طوال العصور الوسطى، وذلك لخدمة التجارة بين المدن الأوروبية المختلة، وأصبحت مدينة فيينا مركزاً لهذه الخطابات، وأصبح هناك كتّاب مهنتهم كتابة خطابات الأخبار في جميع المدن الكبرى، وكانوا يسمون News Writers.
كما كان التجار في ذلك الوقت، ولا سيما في مدينة البندقية الإيطالية، بمنزلة المحررين الأكفاء للأخبار بعد أن يجمعوها من أكثر بلاد البحر المتوسط، ومضت البندقية على هذا النظام حتى شهدت جنون الأخبار على طريقة الجازتات، وقد سميت تلك النشرات الإخبارية بهذا الاسم لأنها تباع في البندقية بقطعة نقود معدنية تسمى الجازيت.
ويلاحظ أن التجارة أسهمت بشكل كبير في تطور الخبر المخطوط، وأنها تبنت نشرات إخبارية ليعرف التجار من خلالها ما يجري في محيطهم وما جاوره من أحداث ويتخذ بشأنها الإجراءات الكفيلة لحماية مصالحهم، قبل أن يتوجهوا إلى إغناء المعرفة لدى القراء واطلاعهم على الوقائع الجارية.
وقد أثارت هذه النشرات فزع البابا لويس الخامس الذي أصدر في عام 1569 قراراً هاجم فيه صناع الأخبار لأنهم يشيعون القلق والاضطراب في وقت قويت فيه حركة الإصلاح الديني، أو المعارضة الدينية التي حمل لواءها مارتن لوثر وكلفن وغيرهما.
ولقد عرف العرب قبل الإسلام أنماطاً إعلامية عدة، كالأسواق، والرحلات التجارية، ورواة القصص، والأنساب، والخطابة، ومجالس القبائل، وقد أدت هذه الأنماط دوراً مهما  في عملية الوجود الإخباري، أفادت منه هذه الأنماط نفسها، كما عاد ذلك على مجتمع الجزيرة العربية ببعض الفوائد.
كما عرف العرب في تلك الفترة الكتابة ودونوا بها ،وكان أهم ما دونوه ـ لحسن الحظ ـ وهو ذلك الذي يحمل مضموناً إعلامياً أرادوا بتدوينه أن يكون بذلك شبه وثيقة، وهي هنا وثيقة سياسية أو عسكرية، تعني وقف العدوان أو الحرب، أو التعهد بالحماية، وقيم الأحلاف بين قبيلة وأخرى.
ولم تكن الدولة الإسلامية عندما قامت في المدينة المنورة في أوائل القرن السابع الميلادي ببعيدة عن استخدام الأخبار المطبوعة، فقد استخدم الرسول r الكتابة الخطية، وما الدستور الذي وضعه بعد هجرته إلى المدينة، والمعروف تاريخياً باسم الصحيفة، بالإضافة إلى رسائله الشريفة إلى ملوك وأمراء عصره إلا نماذج تاريخية لذلك الاستخدام.
وقد استمر استخدام الخبر المخطوط فترة طويلة حتى بعد ظهور الخبر المطبوع، وانتشار المطبعة، لأن تـأسيس المطابع وانتشارها احتاج إلى وقت طويل، بل وصاحب ظهور احتكار بعض الحكومات للمطابع، لذلك حافظ كتاب الأخبار المنسوخة وجامعوها على مصارد أخبارهم وعلى عملائهم وقتاً طويلاًً.
لكن الخبر المخطوط لم يستطع الصمود طويلاً أمام تدفق الخبر المطبوع، وذلك لرخص ثمن الأخير، وسعة انتشاره، وانتظام صدوره، وخاصة بعد أن أنشئت مكاتب البريد في القرن الخامس عشر.
وبدأت حينذاك مرحلة النهاية للخبر المخطوط، وأخذ استخدامه يتراجع يوماً إثر آخر، حتى انعدام استخدامه، وسيطرت الأخبار المطبوعة على الصحف والمجلات والنشرات.

3 ـ  الخبر المطبوع:
يرتبط تاريخ الخبر المطبوع ارتباطاً وثيقاً بظهور المطبعة، ذلك الاختراع الفذ الذي شكل نقلة هائلة ليس في ميدان الصحافة والإعلام فحسب، بل في جميع ميادين الحياة، ويعتبر بحق أحد الإنجازات الحضارية للبشرية، وإحدى الوسائل التي أسهمت في رقي البشرية وتطورها، ومهدت الإنجازات الفكرية، والعلمية،  والتقنية، التي نراها ماثلة للعيان في عصرنا الحالي.
وقد ظهرت المطبعة على يد الألماني يوحنا غوتنبرغ عام 1436، وتقدمت خلال القرن الخامس عشر، ومن ثم بدأ عصر جديد خرج به الإعلام من عصر الفوضى، ومن السرية، وبلغ مرحلة الصناعة، أو الحرفة، أو الفنية.
وكان لهذا الاختراع الجديد تأثيراته على الاتجاهات الفكرية الأوروبية عامة، كما ساهم بدور كبير في انتقال الفكر الأوروبي من مرحلة إلى مرحلة، ممن عكست آثاره على المضمون الصحفي الإخباري ويضاف إلى ذلك أيضاً تلك المنافسة التي بدأت بين الصحف المخطوطة والمطبوعة، والتي أدت إلى مزيد من الاهتمام بالمادة الإخبارية كرد فعل لحالة الخوف من هذا الاختراع الجديد).
وقد بدأ ظهور الخبر المطبوع عندما قامت بعض دور النشر بإصدار نشرات مطبوعة بأرقام مسلسلة ثم ظهرت بعد ذلك نشرات إخبارية مطبوعة في شكل أجندات سنوية منتظمة الصدور متضمنة بعض المعلومات الفلكية، وقد استمر صدور هذه النشرات في فترة التي تبدأ من عام 1448 وحتى عام 1470، وبعد ذلك ظهرت نشرات تصدر كل ستة أشهر في فرانك فورت، وكان ذلك عام 1588، وفي عام 1597 طلب الإمبراطور الألماني رودلف الثاني من بعض أصحاب المطابع أن يصدروا نشرات شهرية تتضمن أهم الحوادث التي وقعت خلال الشهر.
وفي بداية القرن السابع عشر ولدت فكرة جمع الأخبار، ومنذ ذلك الوقت قام أصحاب المطابع بطبع النشرات الإخبارية، وظهرت أول صحيفة مطبوعة في إنفرس ببلجيكا.
وشهدت فترة أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر تطوراً مهماً في ميدان الخبر المطبوع عندما أصدر البرلمان الإنكليزي قانون الحقوق Bill of Rights عام 1689، والذي تأكدت به الحقوق والحريات ـ معاًـ ومنها حرية الصحافة… وألغي قانون الترخيص، ذلك الذي اكتوى الصحفيون الإنكليز بناره كثيرا.
وتزامن ذلك الحدث مع ظهور الصحف في فرنسا والولايات المتحدة وغيرهما من الدول، بعد صراع عنيف، وجدال محتدم حول الرقابة والحرية على وسائل الإعلام بين السلطات السياسية وملاك الصحف أو القائمين عليها.
أما الوطن العربي فقد عرف الخبر الصحفي المطبوع في زمن الحملة الفرنسية على مصر (1798 ـ 1801) فقد قدم الفرنسيون إلى مصر ومعهم مطبعة أصدروا بها عدة منشورات إخبارية ثم أصدروا بعد ذلك أول صحيفتين في العالم العربي باللغة الفرنسية وهما بريد مصر Le Courrier del,Egypte والعشيرة المصرية La Decade Egyptienne.
وكانت الأولى تهتم بالخبر العام، والتقارير الإخبارية.. والثانية كانت تبدي اهتماماً واضحاً بالخبر المتخصص، ومجال تخصصه هنا هو نفس المجال، أو المجالات التي كانت تتجه إليها مجهودات علماء الحملة قفي دراسة المدن، والقرى، والعادات، والتقاليد، والنيل، والواحات، والصحارى.
وظهر الخبر الصحفي المطبوع بالعربية مع ظهور أول صحيفة مصرية، وهي صحيفة (الوقائع المصرية) التي أنشأها محمد علي عام 1828. وقد بدأت الوقائع المصرية كصحيفة إخبارية صرفة، فهي تنشر أخبار الدولة وتعليماتها لكبار المواطنين والجمهور ، ثم ظهرت الصحف في عدد من الدول العربية كالجزائر وسورية ولبنان.
وقد استمر الخبر الصحفي المطبوع متربعاً على عرش وسائل الإعلام حتى ظهرت الإذاعة والتلفزيون، وبدأ ظهور نوعين جديدين من الأخبار هما الخبر الإذاعي والخبر التلفزيوني اللذان اعتمدا اعتماداً أساسياً على المراحل المتطورة التي وصل إليها الخبر الصحفي من حيث تحريره، وعناصره، ومعاييره.
   ثم ظهرت وسائل الإعلام الحديثة ، ويقصد بها الحديثة حاليا لكنها قد تصبح قديمة بعد مدة زمنية ، ومن أهم هذه الوسائل الحديثة الرسائل النصية القصية التي تستخدم عبر الهواتف المحمولة ، والإنترنت (الشابكة كما أقرها مجمع اللغة العربية).
   وهذه الشبكة تعد منبرا متميزا للإعلام وفنونه ، ومنها الخبر الصحفي ، كما أضحت وسيلة مهمة للوصول إلى أهدافه ،  فبواسطتها تصل الأخبار إلى معظم من يتعاملون مع الإنترنت ، وتبلغ آفاقا لم يكن من السهل بلوغها سابقا ، مستفيدة من المميزات الكثيرة التي تتيحها هذه الشبكة.
     وأتاحت الهواتف المحمولة فرصة للإعلام ليستفيد من المميزات التي تتمتع بها ، والخصائص التي تتحلى بها ، وفي مقدمها الانتشار الواسع ورخص التكلفة والتقنيات المتطورة.
   ويستفيد الإعلام من هذه الهواتف في بث الأخبار المختلفة ، ومنها ما يكون على صورة نص مكتوب ، ومنها ما يكون على هيئة نص مكتوب ترفق به صورة مناسبة ، ومنها ما يكون على هيئة فيلم قصير مصور.
   وتصل هذه الرسائل بسهولة إلى جميع المشتركين في خدمات شركات الهواتف النقالة ، ويتلقونها بصورة مجانية من الجهات المرسلة ، وتتميز بآنيتها واحتوائها على الصوت والصورة ووصولها إلى أي شخص في أي بقعة نائية مادامت الخدمة الهاتفية متاحة لديه.


* كاتب علمي وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

0 التعليقات:

إرسال تعليق

ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Hostgator Discount Code تعريب : ق,ب,م
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...