في عالمنا الحديث، لا تزال الماورائيات والظواهر الخارقة جزءًا من المعتقدات اليومية لكثير من الناس.
من قراءة الأفكار إلى التنبؤ بالمستقبل، كثيرون يميلون للاعتقاد بهذه الظواهر رغم عدم وجود دلائل علمية قوية تدعمها، كما يؤمن وبشدة بالمعتقدات الشعبية المتوارثة ويرفضون الرأي العلمي .
كيف درس الباحثون الاعتقاد بالظواهر الخارقة؟
في دراسة حديثة من جامعة ميريلاند سلطت الضوء على هذا التناقض بين المعتقد الشعبي ورأي العلماء، وكشفت عن أبعاد نفسية واجتماعية وراء انتشار هذه المعتقدات.
قام فريق من الباحثين في علم النفس الاجتماعي بإجراء تجربة على 160 طالبًا جامعيًا. شاهد المشاركون جميعًا شريط فيديو يظهر شخصًا "يخمن" أوراق اللعب. لم يكن الطلاب على علم بأن الشخص كان يتلقى الإجابات سرًا، أي أن القدرة الخارقة كانت مجرد خدعة.
ثم قُسّم الطلاب إلى أربع مجموعات، وكل مجموعة حصلت على معلومات مختلفة عن رأي العامة ورأي المجتمع العلمي بشأن هذه الظواهر. على سبيل المثال، قيل لبعض الطلاب إن معظم الناس يؤمنون بالقدرات الخارقة بينما ينفي العلماء ذلك، وفي مجموعات أخرى قيل إن العلماء بدأوا يبدون قبولًا لهذه الظواهر.
بعد مشاهدة الفيديو، طلب من الطلاب الإجابة على أسئلة مثل: "هل تعتقد أن بعض الأشخاص لديهم تصورات حسية خارقة؟" و"هل تعتقد أن الشخص في الفيديو أُوتي قدرات خارقة؟".
النتائج: تأثير رأي المجتمع على الاعتقاد
أظهرت الدراسة نتائج واضحة ومثيرة للاهتمام:
- رأي العامة أقوى من رأي العلماء: الطلاب كانوا أكثر ميلاً للاعتقاد بالقدرات الخارقة إذا قيل لهم أن غالبية الناس يؤمنون بها، حتى لو أكد العلماء عكس ذلك.
- رفض العلماء لم يقلل الاعتقاد: مجموعات الطلاب التي علمت أن العلماء ينفون هذه الظواهر لم يقلل ذلك من إيمانهم بها.
بمعنى آخر، المجتمع العام يشكل التأثير الأكبر على المعتقدات، بينما صوت العلماء وحده غالبًا لا يقنع الأفراد.
التفسير: لماذا يصدق الناس الماورائيات؟
يفسر الباحثون هذه النتائج بعدة طرق:
1. المعتقدات الشخصية والاجتماعية: الاعتقاد بالظواهر الخارقة مرتبط أكثر بالضغط الاجتماعي والرأي الشعبي من الأدلة العلمية.
2. قلة الثقة بالعلم: بعض الأفراد قد يكون لديهم شعور متزايد بأن العلماء بعيدون عن الواقع اليومي، أو أن العلم لا يقدم إجابات لكل الأسئلة.
3. تأثير الخبرة الفردية: في بعض الحالات، يثق الناس أكثر في خبرات العرافين أو التنجيم مقارنة بالرأي العلمي.
هذه النتائج تشير إلى أن المجتمع بحاجة إلى تعزيز الثقافة العلمية والتواصل العلمي الفعال، لتقليل الفجوة بين المعرفة العلمية والمعتقدات الشعبية.
الدروس المستفادة
- الاعتقاد بالظواهر الخارقة لا يعني صحة هذه الظواهر، بل يعكس التأثير الاجتماعي النفسي.
- العلماء يحتاجون إلى طرق تواصل جديدة تجعل العلم أقرب إلى تجربة الأفراد اليومية.
- فهم أسباب تصديق الماورائيات يساعد على تصميم برامج تعليمية توضح التمييز بين المعتقد والدليل العلمي.
الخلاصة
الدراسة الأمريكية تظهر أن الناس غالبًا يتبعون رأي المجتمع أكثر من رأي العلماء عند تشكيل معتقداتهم حول الماورائيات. هذه الظاهرة ليست مجرد فضول أكاديمي، بل تحمل دلالات مهمة على الثقة بالعلم وعلى ضرورة تحسين طرق التعليم والتواصل العلمي. بينما تبقى الظواهر الخارقة موضوعًا للخيال، تذكّرنا هذه الدراسة بأن القوة الحقيقية في فهم العالم تأتي من دمج العقل النقدي بالوعي الاجتماعي.
المراجع
1. Ridolfo, H., et al. (2010). Social Influences On Paranormal Belief: Popular Versus Scientific Support. Current Research in Social Psychology.
2. مصطفى شقيب. (2025). الماورائيات: هل العلوم غير كفؤة؟. إضاءات
3. Hasse Walum et al. (2008). Genetic variation in the vasopressin receptor 1a gene (AVPR1A) associates with pair-bonding behavior in humans. PNAS Early Edition.
م. امجد قاسم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه