مدونة إضاءات

إضاءات مدونة ثقافية تعنى بالإبداع والابتكار والتنمية البشرية

اخر الأخبار

Post Top Ad

الجمعة، 31 يوليو 2026

المصباح المحترق: عندما تنطفئ الألقاب في حياة الإنسان

 


هل نحن مناصبنا أم قيمنا؟

يقضي الإنسان سنوات طويلة في السعي نحو النجاح، فيجتهد لينال شهادة، أو يتدرج في وظيفته، أو يصل إلى منصب مرموق يمنحه مكانة واحترامًا بين الناس. 

لكن السؤال الذي يغفل عنه كثيرون هو: ماذا يبقى عندما تنتهي الوظيفة، أو يزول المنصب، أو تتغير الظروف؟

 

إن التنمية الذاتية الحقيقية لا تقوم على ما نملكه من ألقاب، بل على ما نبنيه في داخلنا من أخلاق، وتواضع، وحكمة، وقدرة على التأثير الإيجابي في الآخرين.

 

حكاية مفوض الشرطة الذي عاش في الماضي

 

تقاعد مفوض شرطة بعد سنوات طويلة من الخدمة، وانتقل من المنزل الحكومي الفاخر إلى منزله الخاص في أحد الأحياء السكنية. ورغم انتهاء مسيرته المهنية، بقي يعيش على ذكريات الماضي، معتزًا بمنصبه وهيبته السابقة.

 

كان يقصد الحديقة العامة كل مساء، لكنه يجلس وحيدًا، مقتنعًا بأن من حوله لا يرقون إلى مكانته السابقة. وعندما حاول أحد كبار السن التحدث إليه بلطف، لم يجد سوى حديث متكرر عن المناصب والسلطة والاحترام الذي كان يحظى به.

 

ظل هذا المشهد يتكرر، حتى جاء اليوم الذي غيّر نظرته إلى الحياة.

 

درس المصباح المحترق

 

ابتسم الرجل المسن وقال له:

"هل تعرف المصباح الكهربائي؟ ما دام مضيئًا فهو يؤدي وظيفته، لكن عندما يحترق، لا يعود هناك فرق بين مصباح صغير أو كبير، فكلاهما بلا نور."

 

ثم كشف له حقيقة لم يكن يتوقعها؛ فالرجل نفسه كان عضوًا سابقًا في البرلمان، والجالس بجواره كان مديرًا عامًا، وآخر كان قائدًا عسكريًا، وغيرهم شغلوا مناصب رفيعة، لكن أحدًا منهم لم يجد حاجة للحديث عنها.

 

كانت الرسالة واضحة: قيمة الإنسان لا تُقاس بما كان عليه، بل بما هو عليه اليوم.

 

لا تجعل الماضي يسجن حاضرك

 

من أكثر الأخطاء التي يقع فيها البعض أن يربطوا هويتهم بوظائفهم أو إنجازاتهم السابقة. وعندما تنتهي تلك المرحلة، يشعرون بأنهم فقدوا قيمتهم.

 

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

 

المنصب مرحلة، أما الشخصية فهي رحلة مستمرة. والنجاح الحقيقي هو أن تظل قادرًا على التعلم والعطاء والتأثير، مهما تغيرت الظروف.

 

فالتقاعد ليس نهاية الحياة، بل قد يكون بداية فصل جديد أكثر هدوءًا ونضجًا، يتيح للإنسان أن يكتشف جوانب أخرى من ذاته، ويشارك خبراته مع من حوله.

 

التواضع... سر العظماء

 

كلما ازداد الإنسان علمًا وخبرة، ازداد تواضعًا. فالعظماء الحقيقيون لا يحتاجون إلى تذكير الآخرين بمناصبهم، لأن أثرهم يتحدث عنهم.

 

أما من يعتمد على الألقاب وحدها، فإنه يظل أسير الماضي، ينتظر إعجابًا لم يعد موجودًا.

 

إن الاحترام الذي يبقى بعد انتهاء المنصب هو احترام الأخلاق، لا احترام السلطة.

 

الحياة تشبه شروق الشمس وغروبها

 

كما أن الشمس جميلة عند الشروق، فهي جميلة أيضًا عند الغروب، إلا أن الناس غالبًا يحتفون ببدايات الأشياء أكثر من نهاياتها.

 

وهكذا هي الحياة؛ فالشباب والقوة والمناصب ليست دائمة، لكنها لا تنقص من قيمة الإنسان عندما يشيخ أو يتقاعد، إذا كان قد بنى حياته على المبادئ لا على المظاهر.

 

رقعة الشطرنج تذكرنا بحقيقة الحياة

 

في لعبة الشطرنج، لكل قطعة دورها وقيمتها أثناء المباراة؛ الملك، والوزير، والفيل، والحصان، وحتى الجندي الصغير.

 

لكن ما إن تنتهي المباراة، حتى تعود جميع القطع إلى الصندوق نفسه.

 

إنها صورة بليغة تذكرنا بأن الفوارق الدنيوية مؤقتة، وأن الجميع في نهاية المطاف متساوون أمام حقيقة الحياة.

 

ابنِ إرثًا لا ينطفئ

 

قد نحصل خلال حياتنا على شهادات وجوائز وأوسمة، لكن الزمن يطوي كل ذلك. وما يبقى هو الذكر الطيب، والكلمة الصادقة، والموقف النبيل، والإنسانية التي تركناها في قلوب الآخرين.

 

لذلك، استثمر في تطوير شخصيتك أكثر من استثمارك في منصبك، واهتم ببناء علاقات صادقة أكثر من اهتمامك بجمع الألقاب، واجعل هدفك أن تكون مصدر نور للآخرين، لا مجرد مصباح يضيء بتيار المنصب ثم ينطفئ بانتهائه.

 

الحياة ليست سباقًا نحو المناصب، بل رحلة لاكتشاف أفضل نسخة من أنفسنا. فالألقاب تزول، والسلطة تنتقل، والمكانة الاجتماعية تتغير، أما الأخلاق، والتواضع، والعطاء، فهي الإرث الحقيقي الذي لا ينطفئ.

 

تذكر دائمًا: عندما تنطفئ أضواء المناصب، لا يبقى سوى نور الإنسان. فمن كان نوره نابعًا من داخله، سيظل مضيئًا في قلوب الناس مهما تغيرت الظروف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه

Post Top Ad

الصفحات