في جنوب كندا، بالقرب من مدينة أوسويوس في مقاطعة كولومبيا البريطانية، توجد بحيرة تبدو من الجو وكأنها لوحة فنية رسمها فنان بألوان متعددة.
إنها البحيرة المرقطة، المعروفة محليًا باسم kłlilx’w، وهي من أغرب البحيرات المالحة والقلوية في العالم.
لكن هذه الدوائر الزرقاء والخضراء والصفراء والبيضاء ليست نتيجة صبغات أو تلوث، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الجيولوجيا والمياه والتبخر والكيمياء المعدنية. (Destination Osoyoos)
أين تقع البحيرة؟
تقع البحيرة إلى الغرب من مدينة أوسويوس في وادي سيميلكامين الشرقي في كولومبيا البريطانية، ضمن منطقة تتميز بمناخ شبه جاف وصيف دافئ، وهي ظروف مثالية لحدوث معدلات تبخر مرتفعة .
والبحيرة مغلقة التصريف (Endorheic)، أي لا يوجد لها مخرج نهري دائم؛ لذلك لا تغادر المياه النظام إلا بصورة أساسية عن طريق التبخر. وهذه الخاصية هي المفتاح لفهم ظاهرة البحيرة المرقطة. (Wikipedia)
كيف تتحول البحيرة إلى "مرقطة"؟
خلال الشتاء والربيع، تتجمع مياه الأمطار والثلوج والجريان السطحي في حوض البحيرة، فتزداد كمية المياه ويبدو سطحها أقرب إلى بحيرة عادية.
لكن مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف تبدأ كميات كبيرة من الماء في التبخر.
وهنا تبدأ الكيمياء في الظهور.
الماء يتبخر، لكن معظم الأملاح والمعادن الذائبة لا تتبخر معه. ونتيجة لذلك ترتفع تراكيز الأيونات تدريجيًا:
ماء + أملاح ذائبة → تبخر الماء → زيادة تركيز الأملاح → التشبع → التبلور والترسيب
ومع استمرار التبخر تصل بعض المعادن إلى حالة التشبع، فتبدأ في تكوين بلورات ورواسب معدنية.
لذلك لا تتكون "البقع" من مادة واحدة، وإنما من أحواض صغيرة من المحلول الملحي شديد التركيز، محاطة أو مغطاة بترسبات معدنية مختلفة. وتتغير أحجامها وألوانها خلال الصيف تبعًا لمعدل التبخر والأمطار وتركيب المحلول. (Destination Osoyoos)
الكيمياء وراء المشهد
تكمن غرابة البحيرة في تركيزها العالي من مجموعة من الأملاح والمعادن، وأبرزها:
|
العنصر/الأيون |
أمثلة على المركبات المرتبطة به
|
|
المغنيسيوم Mg²⁺ |
كبريتات المغنيسيوم MgSO₄ |
|
الصوديوم Na⁺ |
كبريتات الصوديوم Na₂SO₄ وأملاح أخرى |
|
الكالسيوم Ca²⁺ |
أملاح وكبريتات الكالسيوم |
|
الكبريتات SO₄²⁻ |
تدخل في عدد كبير من الأملاح المعدنية |
|
الكلوريد Cl⁻ |
أملاح كلوريدية مختلفة |
|
البيكربونات HCO₃⁻ |
جزء من الكيمياء القلوية للمياه |
وتشير المصادر المحلية إلى أن البحيرة غنية خصوصًا بكبريتات المغنيسيوم وكبريتات الصوديوم ومركبات الكالسيوم، إضافة إلى مجموعة أخرى من المعادن والعناصر النزرة. (Destination Osoyoos)
كبريتات المغنيسيوم: أحد أهم أبطال المشهد
من أبرز المركبات المرتبطة بالبحيرة كبريتات المغنيسيوم MgSO₄، وهي المادة المعروفة في صورة مائية معينة باسم ملح إبسوم (Epsom salt).
عندما يتبخر الماء وتزداد فعالية أيونات المغنيسيوم والكبريتات، يمكن أن تدخل هذه الأيونات في عمليات التبلور لتكوين أملاح مائية مختلفة.
ومن الناحية الكيميائية يمكن تبسيط الفكرة إلى:
Mg²⁺(aq) + SO₄²⁻(aq) → MgSO₄(s)
مع ملاحظة أن الصورة الفعلية للبلورات قد تكون أملاحًا مائية تحتوي على جزيئات ماء ضمن الشبكة البلورية.
وتوضح الدراسات الخاصة بالأنظمة الملحية القارية أن أملاح الصوديوم–المغنيسيوم والكبريتات المائية يمكن أن تتبلور في تسلسلات مختلفة اعتمادًا على تركيب المحلول الملحي ودرجة الحرارة ومعدل التبخر ومحتوى الماء في البلورات. (library-archives.canada.ca)
لماذا تختلف ألوان البقع؟
هذه من أكثر خصائص البحيرة إثارة للاهتمام.
عندما تتبخر المياه، لا تترسب جميع الأملاح في الوقت نفسه. فلكل معدن ذوبانية وسلوك تبلور مختلفان، كما أن تركيز الأيونات ودرجة الحرارة ومعدل التبخر تؤثر في المعادن التي تصل إلى حالة التشبع أولًا.
ولهذا قد نجد أحواضًا يغلب عليها نوع معين من الأملاح، بينما تحتوي أحواض أخرى على تركيبات مختلفة.
فتظهر ألوان تتراوح بين الأبيض والأصفر والأخضر والأزرق، وتتغير الألوان والأشكال مع تقدم الموسم وتغير كمية المياه وتركيز الأملاح. (Destination Osoyoos)
وهنا يجب تصحيح تصور شائع: ليس صحيحًا أن لكل لون مركبًا كيميائيًا واحدًا محددًا. فاللون النهائي يمكن أن يتأثر بتركيب الأملاح، وعمق المحلول، وطريقة انعكاس الضوء، والمواد الموجودة في الرواسب، بل والعوامل الحيوية أيضًا.
لماذا لا تختلط البقع لتصبح بحيرة واحدة؟
يمكن تخيل قاع البحيرة أثناء الصيف على أنه مجموعة من الأحواض الملحية الصغيرة المتجاورة.
عندما ينخفض مستوى الماء، تتشكل قشرة معدنية حول وبين المناطق التي ما زالت تحتوي على محلول ملحي. وتعمل هذه القشور على فصل الأحواض الضحلة نسبيًا.
ومع استمرار التبخر تصبح بعض المناطق أكثر تركيزًا من غيرها، فتدخل كل منها في مسار كيميائي مختلف من الترسيب والتبلور.
ولهذا يبدو المشهد من الأعلى وكأنه مئات الدوائر الملونة.
بحيرة شديدة الملوحة والقلوية
البحيرة مثال على ما يسمى البحيرات الملحية القلوية (Saline–alkaline lakes).
وفي الأنظمة المائية الطبيعية، تتجمع الأيونات نتيجة ذوبان المعادن والصخور المحيطة ثم انتقالها إلى الحوض، بينما يؤدي غياب التصريف الخارجي إلى تراكمها بمرور الزمن.
وتوضح هيئة الصحة الكندية أن المياه الطبيعية تحتوي على أيونات رئيسية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والصوديوم والبيكربونات والكلوريد والكبريتات، وأن إجمالي المواد الصلبة الذائبة TDS يمثل مجموع المواد غير المتطايرة الذائبة في الماء. (Canada)
وفي البحيرة المرقطة تعمل الظروف الجافة والتبخر على دفع هذا المبدأ إلى حد شديد الوضوح.
ظاهرة تتغير من عام إلى آخر
البحيرة ليست لوحة ثابتة.
فكمية الأمطار والثلوج والجريان السطحي، ودرجة حرارة الصيف، ومعدل التبخر، كلها تؤثر في مستوى المياه وتركيز الأملاح.
لذلك قد تكون البقع في سنة أكبر أو أصغر، وقد تختلف ألوانها وشكلها من موسم إلى آخر.
وهذا يجعل البحيرة أشبه بـ مختبر جيولوجي مفتوح تتغير فيه التركيبة الكيميائية للمحاليل باستمرار.
ليست مجرد ظاهرة جيولوجية
للبحيرة أهمية ثقافية عميقة لدى شعب Syilx من السكان الأصليين في منطقة أوكاناغان، إذ تُعرف لديهم باسم kłlilx’w وتُعد موقعًا مقدسًا ارتبط تاريخيًا بالشفاء والممارسات التقليدية.
وقد اكتسبت المنطقة حماية خاصة، ولا يُسمح للزوار عادة بالوصول إلى البحيرة نفسها، وإنما يمكن مشاهدتها من منطقة مخصصة بالقرب من الطريق. (Destination Osoyoos)
كما أن للبحيرة تاريخًا صناعيًا؛ فقد استُخرجت أملاحها خلال الحرب العالمية الأولى لاستخدامها في إنتاج مواد مرتبطة بصناعة الذخائر. (Live Science)
عندما تصبح الكيمياء منظرًا طبيعيًا
البحيرة المرقطة تقدم مثالًا رائعًا على أن الكيمياء ليست دائمًا معادلات داخل المختبر.
فكل بقعة أمام أعيننا هي نتيجة سلسلة من العمليات:
صخور ومعادن → تجوية وذوبان → انتقال الأيونات إلى الحوض → تراكم الأملاح → تبخر الماء → زيادة التركيز → التشبع → التبلور → ظهور البقع الملونة.
وهكذا فإن المشهد الغريب الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه ظاهرة سحرية، هو في الحقيقة نتيجة دقيقة لتفاعل الماء والحرارة والجيولوجيا والكيمياء والطقس.
وربما تكون أجمل رسالة تقدمها البحيرة المرقطة هي أن الطبيعة لا تحتاج إلى ألوان صناعية كي ترسم لوحة مدهشة؛ ففي هذه البقعة الصغيرة من كندا، تتكفل الكيمياء بالرسم.
مراجع
- Destination Osoyoos – معلومات عن kłlilx’w (Spotted Lake) وتركيبها المعدني ودورة التبخر. (Destination Osoyoos)
- Health Canada – Guidelines for Canadian Drinking Water Quality: Operational Parameters، حول كيمياء الأيونات الطبيعية في المياه. (Canada)
- Library and Archives Canada – دراسات حول كيمياء الأنظمة الملحية القارية وأملاح الصوديوم–المغنيسيوم والكبريتات المائية. (library-archives.canada.ca)
- Earth Science Picture of the Day – وصف جيولوجي وكيميائي للبحيرة المرقطة. (epod.usra.edu)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه