تبدو الثقوب الزرقاء من الأعلى كأنها دوائر زرقاء داكنة مرسومة على سطح البحر، لكنها في الحقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد بقع مائية عميقة.
فهي غالبًا منخفضات أو مجارٍ كارستية غمرتها مياه البحر، نشأت في صخور كربوناتية قابلة للذوبان، وتكشف طبقاتها الداخلية عن فصول قديمة من تاريخ الأرض وتغير مستوى سطح البحر.
وتنتشر الثقوب الزرقاء في مناطق مختلفة من العالم، ولا تتشابه جميعها في الشكل أو العمق أو التركيب الكيميائي.
ويُعد الثقب الأزرق العظيم (Great Blue Hole) في بليز أشهرها، إذ يبلغ قطره نحو 318 مترًا وعمقه نحو 124 مترًا.
وهو جزء من نظام الحاجز المرجاني في بليز المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
كيف تتكون الثقوب الزرقاء؟
ترتبط معظم الثقوب الزرقاء بظاهرة الكارست (Karst)، وهي تضاريس تتكون عندما تتفاعل المياه مع الصخور القابلة للذوبان، خصوصًا الحجر الجيري.
وخلال الفترات الجليدية، عندما كان مستوى سطح البحر أقل مما هو عليه اليوم، كانت أجزاء من المنصات الكربوناتية التي أصبحت الآن تحت البحر مكشوفة للهواء.
تسربت مياه الأمطار إلى الصخور، وبدأت بإذابة الحجر الجيري تدريجيًا، فنتجت ممرات وكهوف وتجاويف تحت سطح الأرض.
ومع استمرار عمليات الإذابة والانهيار، اتسعت بعض هذه التجاويف، ثم أدى ارتفاع مستوى البحر بعد انتهاء الفترات الجليدية إلى غمرها بالمياه.
وهكذا فإن بعض الثقوب الزرقاء الحالية تمثل في الواقع كهوفًا وأنظمة كارستية قديمة أصبحت مغمورة تحت البحر.
وتؤكد الهوابط الكلسية الموجودة داخل الثقب الأزرق العظيم هذه القصة؛ إذ لا تتكون الهوابط بالطريقة نفسها تحت البحر، ولذلك فإن وجودها في مواضع غمرتها المياه لاحقًا يقدم دليلًا على أن الكهف كان مكشوفًا فوق مستوى البحر في الماضي.
لماذا تبدو المياه زرقاء داكنة؟
يرتبط اللون الأزرق الداكن أساسًا بعمق هذه المنخفضات وطبيعة المياه والضوء. فعندما يخترق الضوء الماء، تمتص المياه أطوالًا موجية مختلفة بدرجات متفاوتة، بينما يصل قدر أقل من الضوء إلى الأعماق الكبيرة.
وفي الوقت نفسه، تبدو القيعان والجدران العميقة شديدة الظلمة، فيظهر الثقب من الأعلى بلون أزرق داكن متباين بوضوح مع المياه المحيطة.
ولهذا السبب لا يعني اللون الأزرق أن الماء ساكن أو أن الثقب معزول تمامًا عن البحر. فبعض الثقوب الزرقاء تتصل بالبحر أو بالمياه الجوفية، وقد تشهد عمليات تبادل للمياه مرتبطة بالمد والجزر.
ماذا يوجد في أعماقها؟
من الخطأ الاعتقاد بأن جميع الثقوب الزرقاء خالية من الحياة. فقد أظهرت دراسات علمية أن بعضها يمثل موائل بيئية فريدة تضم الشعاب المرجانية والإسفنجيات والرخويات والسلاحف وأسماك القرش وغيرها من الكائنات.
كما أن كيمياء المياه داخل بعض الثقوب تختلف بصورة واضحة عن المياه المحيطة، بسبب التفاعل مع المياه الجوفية والطبقات الحاملة للمياه.
وفي بعض الثقوب، يتغير تركيب المياه مع العمق بصورة حادة. فقد توجد طبقات غنية بالأكسجين بالقرب من السطح، ثم تنخفض كمية الأكسجين تدريجيًا، لتظهر في الأعماق بيئات ناقصة الأكسجين أو لاهوائية وغنية بكبريتيد الهيدروجين.
وقد كشفت الدراسات في ثقوب زرقاء بجزر البهاما عن مجتمعات ميكروبية تعيش في مثل هذه الظروف القاسية.
ففي "Magical Blue Hole" بجزيرة أباكو، توجد منطقة فاصلة بين مياه عذبة مؤكسجة ومياه بحرية عميقة فقيرة بالأكسجين وغنية بالكبريتيد، وتغطي الجدران في المنطقة العميقة أغشية ميكروبية كثيفة.
وهذه الميكروبات مهمة علميًا لأنها تساعد الباحثين على فهم كيفية استمرار الحياة في بيئات تفتقر إلى الضوء والأكسجين، ودراسة دور الكائنات الدقيقة في دورات الكبريت والكربون.
الثقب الأزرق العظيم في بليز
يُعد الثقب الأزرق العظيم أحد أفضل الأمثلة على العلاقة بين الجيولوجيا وتغير المناخ ومستوى سطح البحر.
وقد كشفت البحوث عن مصاطب وتكوينات كلسية داخل جدرانه، إضافة إلى الهوابط التي تشكلت خلال فترات كان فيها الكهف فوق مستوى سطح البحر.
وتشير الدراسات إلى أن تكوينه ارتبط بعدة مراحل من انخفاض مستوى البحر خلال العصر الرباعي، قبل أن تغمره مياه البحر لاحقًا.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، حظيت بعثة استكشافية إلى قاع الثقب باهتمام عالمي، وبُثت عملية الاستكشاف مباشرة عبر قناة Discovery، حيث كان الهدف استكشاف قاع الثقب ورسم خريطة لجزء كبير من بنيته الداخلية.
هل الثقوب الزرقاء خطيرة؟
يمكن أن يكون الغوص في الثقوب الزرقاء خطرًا، لكن الخطر لا يرجع إلى "الثقب" بحد ذاته، بل إلى العمق والضغط وصعوبة الملاحة وظروف الغوص ونقص الأكسجين في بعض المناطق ومخاطر الغوص داخل الكهوف.
ويزداد خطر تخدير النيتروجين مع العمق، وهو تأثير يمكن أن يضعف الحكم والتركيز والقدرة على اتخاذ القرار. كما أن الغوص العميق يفرض متطلبات دقيقة تتعلق بإدارة الغازات وإجراءات الصعود وتجنب مرض تخفيف الضغط.
ومن المهم أيضًا تصحيح معلومة شائعة: لا يصح القول إن الغواص على عمق 56 مترًا يكون تلقائيًا في حالة "تسمم بالأكسجين". فالتعرض يعتمد على ضغط الأكسجين الجزئي، ونوع الغاز، ومدة التعرض وعوامل أخرى. وبالنسبة للهواء العادي، يصل ضغط الأكسجين الجزئي إلى نحو 1.4 ضغط جوي عند قرابة 57 مترًا، وهو الحد الإرشادي الشائع للمرحلة التشغيلية في الغوص الترفيهي.
أكثر من مجرد حفرة في البحر
تكمن أهمية الثقوب الزرقاء في أنها ليست مجرد مواقع للغوص والمغامرة، بل مختبرات طبيعية تجمع بين الجيولوجيا وعلم المناخ والأحياء الدقيقة والهيدرولوجيا وعلم الآثار.
فالصخور الموجودة في أعماقها يمكن أن تسجل تاريخ تغير مستوى سطح البحر، والرسوبيات قد تحفظ معلومات عن البيئات القديمة، بينما تقدم المجتمعات الميكروبية نموذجًا لدراسة الحياة في الظروف القاسية. كما أن بعض هذه المواقع قد يرتبط بآثار بشرية أو حيوانية قديمة، خصوصًا الثقوب الموجودة في المناطق الساحلية التي كانت مكشوفة خلال فترات انخفاض مستوى البحر.
لذلك فإن الثقب الأزرق ليس "بوابة إلى عالم آخر" كما صورت بعض الأساطير القديمة، بل هو بوابة حقيقية إلى ماضي كوكبنا؛ فتكوينه يحكي قصة تغير المناخ ومستوى البحار، ومياهه تكشف عن أشكال حياة متكيفة مع بيئات شديدة القسوة، بينما تظل أعماقه مجالًا مفتوحًا أمام العلم لاكتشاف المزيد من أسرار الأرض.
مراجع ومصادر علمية
· NOAA Ocean Exploration – Blue Holes
· NOAA Ocean Exploration – Scientists Explore Blue Holes
· NASA Science – Great Blue Hole, Belize
· Wiley – Late Pleistocene to Holocene sedimentation in the Great Blue Hole
· PLOS ONE – Microbiome of an ocean blue hole in The Bahamas
· PMC – Microbial mats and anoxic conditions in Magical Blue Hole
· Divers Alert Network – Oxygen Toxicity

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه