مدونة إضاءات

إضاءات مدونة ثقافية تعنى بالإبداع والابتكار والتنمية البشرية

اخر الأخبار

Post Top Ad

السبت، 10 يناير 2026

قصة اختراع رمز الاستجابة السريعة (QR) من لعبة يابانية إلى ثورة رقمية

 


في عالمٍ يعتمد اليوم على السرعة وسهوله الوصول إلى المعلومات، أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية؛ حيث نراه في المطاعم، والإعلانات، والتطبيقات البنكية، وحتى في التذاكر الرقمية. 

 

لكن خلف هذا المربع الصغير المكوَّن من الأبيض والأسود، تقف قصة ابتكار ملهمة بدأت في اليابان قبل أكثر من ثلاثة عقود، على يد مهندس ياباني يُدعى ساهيروا هارا (Masahiro Hara)

 

الحاجة إلى حل أسرع من الباركود

 

في أوائل التسعينيات، كانت شركة Denso Wave، التابعة لمجموعة تويوتا، تواجه تحديًا كبيرًا في خطوط الإنتاج. فقد كان الباركود التقليدي غير قادر على تخزين كمية كافية من المعلومات، كما أنه يحتاج إلى توجيه دقيق ليتم قراءته، مما يُبطئ عمليات التتبع والتصنيع.

هنا ظهر دور المهندس ساهيروا هارا، الذي طُلب منه تطوير نظام ترميز جديد يستطيع:

  • تخزين معلومات أكثر.
  • يُقرأ بسرعة عالية.
  • يعمل من أي زاوية دون الحاجة إلى محاذاة دقيقة.

 

الإلهام من لعبة يابانية قديمة

 

لم يأتِ الحل من المختبر فقط، بل من الثقافة اليابانية نفسها. استلهم هارا فكرته من لعبة يابانية تقليدية تُعرف باسم غو” (Go)، وهي لعبة تُلعب على لوح مكوّن من مربعات سوداء وبيضاء متداخلة.

لاحظ هارا أن الدماغ البشري يستطيع تمييز الأنماط المعقدة بسرعة، حتى لو كانت مكوّنة من مربعات متشابهة، فخطرت له فكرة استخدام نمط ثنائي الأبعاد بدلًا من الخطوط الأحادية للباركود.

 

ولادة أول QR Code عام 1994

 

في عام 1994، نجح فريق Denso Wave بقيادة ساهيروا هارا في تطوير أول رمز استجابة سريعة (Quick Response Code) كان الهدف الأساسي هو “الاستجابة السريعة” فعلًا، أي قراءة الرمز في أجزاء من الثانية.

 

أهم ما ميّز كود QR الجديد:

  • القراءة من أي زاوية (360 درجة) بفضل علامات التوجيه الثلاث في الزوايا.
  • تخزين كمية كبيرة من البيانات مقارنة بالباركود التقليدي.
  • القدرة على تصحيح الأخطاء، حيث يمكن قراءة الرمز حتى لو تضرر جزء منه.

 

لماذا انتشر QR Code عالميًا؟

 

رغم أن الكود صُمم في البداية للاستخدام الصناعي، فإن الشركة اتخذت قرارًا ذكيًا بعدم تقييد استخدامه ببراءة اختراع مغلقة، حيث صمم المخترع الياباني على جعل اختراعه المدهش متاحا للجميع وبشكل مجاني. هذا القرار سمح بانتشاره عالميًا، وفتح الباب أمام استخدامه في مجالات متعددة. علما بان هذا الإختراع تقدر قيمته حاليا بأكثر من تريليون دولار

 

ومع تطور الهواتف الذكية، أصبح مسح QR Code متاحًا للجميع دون الحاجة إلى أجهزة خاصة، مما ساهم في انتشاره السريع في:

  • التسويق والإعلانات.
  • المدفوعات الإلكترونية.
  • التذاكر والسفر.
  • التعليم والخدمات الحكومية.

 

من المصنع إلى الحياة اليومية

 

ما بدأ كحل صناعي داخل مصانع السيارات، تحوّل اليوم إلى أداة عالمية تُستخدم يوميًا من قبل مليارات الأشخاص. خلال جائحة كورونا، لعب QR Code دورًا محوريًا في تقليل التلامس، سواء في القوائم الرقمية أو شهادات التطعيم.

 

عبقرية الفكرة في بساطتها

 

قصة اختراع QR Code تُظهر كيف يمكن لفكرة بسيطة، مستوحاة من لعبة تقليدية، أن تُحدث ثورة تقنية عالمية. لم يكن ساهيروا هارا يسعى إلى تغيير العالم، بل إلى حل مشكلة عملية، لكن النتيجة تجاوزت كل التوقعات.

 

إن رمز الاستجابة السريعة ليس مجرد مربع أبيض وأسود، بل هو مثال حي على قوة الابتكار عندما يلتقي العلم بالثقافة والحاجة بالخيال. وبينما نمسح اليوم QR Code في ثوانٍ، قلّما نتوقف للتفكير في القصة الإنسانية والهندسية الرائعة التي تقف خلفه .

 

م. أمجد قاسم

 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه

Post Top Ad

الصفحات