تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وصفات منزلية كثيرة تقدم باعتبارها وسائل طبيعية لتقوية المناعة والوقاية من نزلات البرد، ومن أشهرها وضع فصوص الثوم الطازج داخل العسل وتركها لفترة حتى "تتخمر".
ويعتقد مروجو هذه الوصفة أن الجمع بين خصائص الثوم والعسل المضادة للميكروبات يجعل الخليط علاجًا طبيعيًا وآمنًا.
لكن العلم ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة؛ فكون المكونات طبيعية لا يعني بالضرورة أن طريقة تحضيرها وتخزينها آمنة.
وفي حالة الثوم الطازج المغمور في العسل، يمكن أن تتغير الخصائص الفيزيائية والكيميائية للخليط، ما يستدعي الحذر من تحضيره وتخزينه عشوائيًا، خصوصًا في درجة حرارة الغرفة.
لماذا يبدو الثوم والعسل مزيجًا صحيًا؟
يحتوي الثوم على مركبات كبريتية نشطة، من أشهرها الأليسين (Allicin)، الذي يتكون عند تقطيع أو سحق فصوص الثوم.
وقد أظهرت دراسات مخبرية أن بعض مركبات الثوم تمتلك نشاطًا مضادًا لبعض أنواع البكتيريا والفطريات.
أما العسل، فيتميز بارتفاع تركيز السكريات وانخفاض نشاط الماء (Water Activity)، إضافة إلى حموضته الطبيعية ووجود مركبات أخرى قد تمنحه خصائص تحد من نمو العديد من الكائنات الدقيقة.
لكن هذه الخصائص لا تعني أن خليط الثوم والعسل يمكن اعتباره دواءً أو وسيلة مؤكدة لتعزيز جهاز المناعة.
كما أن الخصائص المضادة للميكروبات التي تظهر في المختبر لا تعني بالضرورة وجود تأثير علاجي مماثل عند تناول الخليط.
ماذا يحدث عند وضع الثوم الطازج في العسل؟
المشكلة الأساسية أن الثوم الطازج يحتوي على كمية كبيرة من الماء، بينما يعتمد العسل جزئيًا في قدرته على الحد من نمو الميكروبات على انخفاض نشاط الماء وارتفاع تركيز السكريات.
عند وضع الثوم في العسل، يمكن أن تنتقل بعض الرطوبة من أنسجة الثوم إلى الوسط المحيط، ما يؤدي إلى تغيير خصائص الخليط، ومنها تركيز السكريات ونشاط الماء.
وهنا تظهر أهمية عدم التعامل مع الخليط على أنه عسل طبيعي يحتفظ بالضرورة بكل خصائص العسل الأصلي.
كما يمكن أن تحدث تغيرات كيميائية وميكروبية أثناء التخزين، خصوصًا إذا تُرك الخليط لفترات طويلة وفي ظروف غير مضبوطة.
أين يدخل التسمم الوشيقي في القصة؟
من أخطر المخاوف المرتبطة بالأغذية المنزلية المحفوظة أو المخمرة بطريقة غير صحيحة بكتيريا Clostridium botulinum، وهي بكتيريا تستطيع، في ظروف معينة، إنتاج سم عصبي شديد القوة يعرف باسم Botulinum neurotoxin.
ويُعرف المرض الناتج عن هذا السم باسم التسمم الوشيقي (Botulism).
ولا يعني ذلك أن كل جرة تحتوي على الثوم والعسل ستؤدي إلى التسمم، فالأمر يعتمد على مجموعة من العوامل البيئية والكيميائية، لكن الخطر النظري يصبح مهمًا عندما تتوافر ظروف مناسبة لنمو البكتيريا وإنتاج السم.
الحموضة عامل حاسم
تُعد درجة الحموضة pH من أهم العوامل التي تتحكم في نمو C. botulinum في الأغذية.
وتستخدم سلامة الأغذية قيمة pH 4.6 كحد مهم في السيطرة على نمو البكتيريا المسببة للتسمم الوشيقي في العديد من تطبيقات حفظ الأغذية.
لكن الحموضة ليست العامل الوحيد؛ فهناك عوامل أخرى تدخل في تحديد قدرة البكتيريا على النمو، منها:
- نشاط الماء.
- درجة حرارة التخزين.
- مدة التخزين.
- تركيز الملح أو السكر.
- توفر الأكسجين.
- تركيب الغذاء.
- طريقة المعالجة والحفظ.
ولهذا فإن الاعتماد على مظهر الخليط أو طعمه أو رائحته لا يكفي للحكم على سلامته.
هل التخمير المنزلي خطر دائمًا؟
ليس بالضرورة.
فالتخمير عملية غذائية معروفة ويمكن أن تكون آمنة عندما تتم وفق طرق علمية محددة، باستخدام المواد المناسبة والتحكم في درجة الحرارة والحموضة والوقت وغيرها من العوامل.
المشكلة تكمن في التخمير العشوائي الذي يعتمد على ترك مكونات غذائية في وعاء مغلق لفترة غير محددة، من دون قياس pH أو التحكم في الظروف.
ولهذا فإن وصف أي خليط منزلي بأنه "مخمّر" لا يعني تلقائيًا أنه آمن.
هل العسل نفسه خطر؟
لا.
العسل الطبيعي في حالته المعتادة ليس بيئة مناسبة لنمو معظم البكتيريا بسبب خصائصه الكيميائية، ومنها ارتفاع تركيز السكريات وانخفاض نشاط الماء.
لكن هناك تحذير معروف يتعلق بالعسل: يجب عدم إعطائه للأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة واحدة بسبب احتمال وجود أبواغ Clostridium botulinum فيه، والتي يمكن أن تسبب التسمم الوشيقي عند الرضع.
وهذا يختلف عن حالة البالغين؛ إذ إن الخطر عند الرضع يرتبط بقدرة الأبواغ على النمو في أمعائهم غير الناضجة.
وماذا عن "تقوية المناعة"؟
ربط وصفة الثوم والعسل بتقوية المناعة يحتاج إلى قدر من الحذر العلمي.
صحيح أن الثوم والعسل يحتويان على مركبات ذات خصائص بيولوجية مثيرة للاهتمام، وهناك أبحاث حول تأثيراتهما المضادة للميكروبات ومضادات الأكسدة، لكن هذا لا يعني أن تناول خليط منزلي منهما يمنع العدوى أو يعالج نزلات البرد.
فجهاز المناعة منظومة معقدة تتأثر بالتغذية المتوازنة والنوم والنشاط البدني والحالة الصحية العامة، وليس بمكون واحد أو وصفة واحدة.
لذلك من الأفضل وصف الثوم والعسل كأغذية لها مكونات وخصائص حيوية قيد الدراسة، وليس كـ"دواء طبيعي" أو بديل للعلاج الطبي.
هل يمكن معرفة وجود سم البوتولينوم بالشم أو التذوق؟
هنا تكمن نقطة مهمة جدًا في سلامة الغذاء.
لا يمكن الاعتماد على الرائحة أو الطعم أو المظهر للحكم على خلو الطعام من سم البوتولينوم.
ولهذا فإن تذوق كمية صغيرة من طعام منزلي مشكوك في طريقة حفظه ليس وسيلة آمنة لاختبار صلاحيته.
فالسم قد يكون موجودًا دون أن يعطي الطعام علامات واضحة تشير إلى وجوده.
ما أعراض التسمم الوشيقي؟
التسمم الوشيقي مرض خطير، لأن السم يؤثر في الجهاز العصبي والاتصال بين الأعصاب والعضلات.
وقد تظهر أعراض مثل:
- ضعف العضلات.
- ازدواجية الرؤية أو تشوشها.
- تدلي الجفون.
- صعوبة البلع.
- صعوبة الكلام.
- جفاف الفم.
- ضعف متزايد في العضلات.
- صعوبة التنفس في الحالات الشديدة.
ويُعد التسمم الوشيقي حالة طبية طارئة تحتاج إلى تدخل طبي سريع.
هل يجب التخلص من وصفة الثوم بالعسل؟
القاعدة الأكثر أمانًا هي عدم التعامل مع الخلطات المنزلية المخمرة باعتبارها آمنة لمجرد أن مكوناتها طبيعية.
إذا كان الهدف هو الاستفادة من الثوم والعسل كجزء من النظام الغذائي، فمن الأفضل استخدامهما بالطريقة الغذائية المعتادة، بدل الاعتماد على عمليات تخمير أو حفظ منزلية غير مضبوطة.
كما يجب عدم إعطاء العسل للأطفال دون عمر سنة، وعدم استخدام أي وصفة منزلية بديلًا عن العلاج الطبي عند وجود أعراض مرضية.
الطبيعة لا تعني دائمًا الأمان
تقدم لنا الطبيعة عددًا هائلًا من الأغذية والمركبات ذات القيمة الصحية، لكن الطبيعي ليس مرادفًا للآمن في جميع الظروف.
فالجرعة، وطريقة التحضير، ودرجة الحرارة، والحموضة، والرطوبة، ومدة التخزين، والتفاعلات الكيميائية والميكروبية، كلها عوامل يمكن أن تحول الغذاء الآمن إلى غذاء غير آمن.
وقصة الثوم والعسل مثال جيد على أهمية التفكير العلمي في الوصفات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
فالثوم والعسل غذاءان يمكن أن يكونا جزءًا من نظام غذائي متوازن، لكن تحويلهما إلى خليط "مخمّر" وتخزينه في المنزل لفترات طويلة دون معرفة علمية بظروف السلامة ليس أمرًا ينبغي اعتباره آمنًا لمجرد أن الوصفة شائعة.
الخلاصة
لا يعني وضع الثوم في العسل أن التسمم الوشيقي سيحدث حتمًا، لكن التحضير والتخزين غير المضبوطين قد يغيران خصائص الخليط ويخلقان ظروفًا قد تسمح بنمو Clostridium botulinum وإنتاج سم البوتولينوم.
ولهذا، فإن التعامل مع وصفات التخمير والحفظ المنزلية يحتاج إلى معرفة علمية، وليس إلى الاعتماد على عبارة "وصفة طبيعية" أو انتشارها الواسع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي عالم تنتشر فيه الوصفات الصحية بسرعة، ربما يكون أهم مبدأ يجب تذكره هو: ليس كل ما هو طبيعي آمنًا، وليس كل ما ينتشر على الإنترنت مثبتًا علميًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه