قد يبدو الأمر وكأنه مشهد من فيلم تاريخي: تفتح صندوقًا قديمًا، فتجد بداخله قطعة شوكولاتة ما تزال في غلافها الأصلي، رغم مرور أكثر من قرن على تصنيعها.
لكن هذه القصة حدثت بالفعل في إنجلترا، وإن كان اكتشافها يعود إلى عام 2021.
في ذلك العام، عثر خبراء في حفظ التراث داخل قاعة أوكسبرغ (Oxburgh Hall) في مقاطعة نورفولك البريطانية على قطعة شوكولاتة يعود تاريخها إلى عام 1900، محفوظة داخل علبتها المعدنية الأصلية، والتي كانت بدورها مخبأة داخل حافظة خوذة عسكرية تعود إلى حرب البوير الثانية.
وبحلول عام 2026، أصبحت هذه القطعة التاريخية تبلغ نحو 126 عامًا.
هدية من الملكة فيكتوريا للجنود
القصة بدأت في نهاية القرن التاسع عشر، عندما قررت الملكة البريطانية فيكتوريا إرسال هدية بمناسبة العام الجديد إلى الجنود البريطانيين الذين كانوا يخدمون في جنوب أفريقيا خلال حرب البوير.
لم تكن الهدية مجرد قطعة حلوى عادية، فقد صُممت لها علب معدنية تذكارية تحمل صورة الملكة وعبارة South Africa 1900، إلى جانب رسالة بخط يدها تقول: «أتمنى لكم عامًا جديدًا سعيدًا».
وتشير سجلات المتحف الوطني للجيش البريطاني إلى أن نحو 123 ألف علبة أُنتجت في نهاية المطاف، واحتوت كل علبة على نحو نصف رطل من شوكولاتة الفانيلا. وأسندت الملكة تنفيذ الطلب إلى ثلاث شركات بريطانية شهيرة هي Fry وCadbury وRowntree.
والطريف أن الشركات الثلاث كانت مملوكة لأتباع طائفة الكويكر، الذين تبنوا موقفًا مسالمًا ومعارضًا للحرب، ولذلك لم تكن متحمسة في البداية للطلب الملكي، ورفضت الحصول على مقابل مالي عنه، قبل أن يتم تنفيذ المشروع في النهاية.
لماذا لم يأكل الجندي الشوكولاتة؟
هنا تكمن إحدى أكثر تفاصيل القصة إثارة.
القطعة التي عُثر عليها في أوكسبرغ كانت مرتبطة بالبارونيت الثامن السير هنري إدوارد باستون-بيدينغفيلد، الذي شارك في حرب البوير. ويبدو أنه احتفظ بالشوكولاتة مع خوذته كتذكار من خدمته العسكرية.
وعندما عاد إلى إنجلترا، بقيت القطعة محفوظة، ثم انتقلت مع مقتنيات العائلة عبر الأجيال، إلى أن عثر عليها خبراء التراث أثناء جرد مقتنيات ابنته فرانسيس غريت هيد بعد وفاتها عام 2020.
وهكذا تحولت قطعة شوكولاتة كان يفترض أن تكون هدية قصيرة العمر إلى وثيقة تاريخية محفوظة لأكثر من قرن.
لكن كيف بقيت الشوكولاتة كل هذه المدة؟
هنا تدخل الكيمياء في القصة.
الشوكولاتة ليست مادة خاملة تمامًا؛ فهي نظام غذائي معقد يحتوي على دهون، وسكريات، ومكونات صلبة من الكاكاو ومركبات عطرية. وتؤثر الحرارة والرطوبة والضوء والأكسجين في استقرارها مع مرور الوقت.
ويُعد زبدة الكاكاو (Cocoa Butter) أحد أهم مكونات الشوكولاتة، وهي مادة دهنية تتميز بقدرتها على التبلور في أشكال متعددة. ومع تغير درجات الحرارة يمكن أن تتغير البنية البلورية للدهون، وهو ما يؤدي إلى ظاهرة تعرف باسم Bloom، حيث تظهر طبقة بيضاء أو رمادية على سطح الشوكولاتة.
كما أن التعرض للحرارة والرطوبة يمكن أن يسرّع التغيرات الكيميائية وفقدان النكهة وظهور تغيرات في القوام والمظهر. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التحكم في درجة الحرارة والرطوبة والضوء والأكسجين يعد عاملًا أساسيًا في إطالة استقرار الشوكولاتة.
لذلك فإن بقاء هذه القطعة ليس دليلًا على أن الشوكولاتة يمكنها الاحتفاظ بجودتها الغذائية لمدة 126 عامًا، بل يرجع بدرجة كبيرة إلى العلبة المعدنية والغلاف والظروف التي بقيت فيها، إضافة إلى طبيعة الشوكولاتة نفسها.
هل يمكن تناولها؟
الإجابة المختصرة: بالتأكيد لا!
فالقطعة اكتسبت قيمتها باعتبارها أثرًا تاريخيًا، لا باعتبارها غذاءً صالحًا للأكل. وقد وصفتها مؤسسة التراث الوطني البريطانية عند اكتشافها بأنها لم تعد تبدو شهية، وأنها تجاوزت تاريخ صلاحيتها بفارق هائل.
ولهذا لم تتعامل المؤسسة معها كقطعة حلوى، وإنما كقطعة أثرية. فقد جرى تغليفها بمواد خالية من الأحماض وحفظها في بيئة مستقرة من حيث درجة الحرارة والرطوبة، بهدف المحافظة عليها لأطول فترة ممكنة.
وهنا تتحول الشوكولاتة من غذاء إلى مادة تراثية؛ فالقيمة لم تعد في مذاقها، وإنما في قدرتها على رواية قصة عن الملكة فيكتوريا والجنود والحرب والصناعة الغذائية في بدايات القرن العشرين.
شوكولاتة تحولت إلى كبسولة زمنية
الأغرب في هذه القصة أن مئات الآلاف من الجنود حصلوا على العلبة نفسها تقريبًا، لكن كثيرًا منهم قرروا الاحتفاظ بها كتذكار. وتوجد بالفعل علب أخرى من شوكولاتة الملكة فيكتوريا محفوظة في متاحف ومجموعات تاريخية، وبعضها ما يزال يحتوي على الشوكولاتة الأصلية.
وهكذا أصبحت قطعة شوكولاتة صنعت عام 1900 أشبه بـكبسولة زمنية صغيرة؛ فقد حفظت معها شيئًا من تاريخ بريطانيا، وعادات الجنود، وتطور صناعة الشوكولاتة، وحتى قصة العلاقة بين الغذاء والكيمياء والحفظ.
وربما تكون المفارقة الأجمل في القصة أن أفضل طريقة للحفاظ على هذه الشوكولاتة لم تكن تناولها، بل تركها وشأنها لأكثر من قرن!
المراجع
1. Australian War Memorial. (n.d.). Queen Victoria New Year 1900 chocolate tin, with original contents. Australian War Memorial
2. National Army Museum. (n.d.). Queen Victoria gift chocolate box, 1900. National Army Museum Collection
3. Konar, N., Palabiyik, I., Karimidastjerd, A., & Toker, O. S. (2024). Chocolate microstructure: A comprehensive review. Food Research International, 196, 115091. ScienceDirect
4. Atalar, İ., Altinay, C., Karaoğlan Bük, H., Sener, S., Kelleci Sarikaya, E., & Konar, N. (2026). Shelf-life stability of CBS-based compound chocolate: A kinetic approach to physico-chemical, rheological, and structural changes. European Food Research and Technology, 252, 258. Springer
5. The Irish News. (2021, March 31). Chocolate given by Queen Victoria to troops in 1900 found in Oxburgh Hall attic. The Irish News

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادعم إضاءات بالتعليق على المواد المنشورة واعادة نشر موادها في شبكاتكم الاجتماعية
سيتم نشر التعليق بعد الاطلاع عليه